العلامة الحلي
380
مناهج اليقين في أصول الدين
ولأن التكليف حال وقوع الفعل تحصيل الحاصل وقبله لا قدرة ، لأنه لا معنى لكونه فاعلا إلا حصول المقدور عن القدرة ، ويستحيل أن يكون فاعلا في الحال لفعل لا يوجد في الحال ، فلم يكن في الحال مأمورا بشيء بل يكون ذلك إعلاما بصيرورته مأمورا في المستقبل . ولأن الفائدة يستحيل عودها إليه تعالى أو إلى المكلف ، لأنها إن كانت ضررا فهو قبيح ، وإن كانت نفعا فليس في الحال لأنه في الحال يتأذى ولا في ثانيه لأنه ممكن من غير التكليف فهو عبث . ولأن التكليف على ما ذكرتم تجري مجرى القاء الغير في البحر ثم تكليفه بالخروج ليثيبه عليه ، ولأن فائدة التكليف وهو الثواب يجري مجرى الأجرة فكيف يحسن منه تعالى فعلها من غير رضاه . والجواب أن التعظيم والإجلال من غير مسبوقية الاستحقاق قبيح عقلا سواء صدر ممن ينتفع ويتضرر أو ممن يستحيل عليه ذلك ، وما ذكروه من المثال فغير صحيح ، لأنّ الثواب لا يستحق بسبب الجهاد من غير الشهادة ، فإذن الموجب للاستحقاق انما هو المجموع ، ولا شك في أنّ الثواب الحاصل من المجموع أزيد من ثواب الأجزاء ، والضرر الحاصل من التكليف قليل جدا بالنسبة إلى تركه ، والنفع الحاصل به أعظم من تعب التكليف بكثير ، فوجه القبح منتف بالإطلاق . وليست الأفعال بأسرها من خلق اللّه تعالى وإرادته على ما بينا فحسن التكليف ، وقد بينا فيما سلف أن العلم بالوقوع تبع للوقوع الذي هو تبع للقدرة والاختيار فلا يؤثر في منعها ، نعم إنه بحسب المعلوم وجوبا لاحقا . وأجاب بعضهم بأنه تعالى يعلم الوقوع ويعلم القدرة للمكلف عليه ، فليس إخراجه عن القدرة بسبب تعلق العلم بالوقوع بأولى من ثبوت القدرة له لتعلق العلم بها .